أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

416

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الصلاة والسّلام فيهم ، وبين استغفارهم . وقوله : وَأَنْتَ فِيهِمْ حال ، وكذلك وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ والظاهر أن كلّها عائدة على الكفار . وقيل : الضمير في « يعذّبهم » و « مُعَذِّبَهُمْ » للكفار . والضمير من قوله : « وَهُمْ » للمؤمنين . وقال الزمخشريّ : « وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » في موضع الحال ، ومعناه نفي الاستغفار عنهم ، أي : ولو كانوا من يؤمن ويستغفر من الكفار لما عذبهم ، كقوله تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ ، وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ « 1 » ، ولكنهم لا يستغفرون ولا يؤمنون ، « ولا يتوقع ذلك منهم » . وهذا المعنى الذي ذكره منقول عن قتادة وابن زيد ، واختاره ابن جرير . قوله : أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ . في « أن » وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - : أنها مصدرية ، وموضعها إمّا نصب ، أو جر ، لأنها على حذف حرف الجر ، إذ التقدير : في ألّا يعذّبهم ، وهذا الجار يتعلق بما تعلق به « لَهُمْ » من الاستقرار ، والتقدير : أيّ شيء استقر لهم ، في عدم تعذيب اللّه إيّاهم ؟ بمعنى : لاحظ لهم في انتفاء العذاب . والثاني : أنها زائدة ، وهو قول الأخفش . قال النحاس : « لو كانت كما قال لرفع « يُعَذِّبَهُمُ » . يعني النحاس : فكان ينبغي أن يرتفع الفعل على أنه واقع موقع الحال ، كقوله : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ، ولكن لا يلزم من الزيادة عدم العمل ، ألا ترى أن « من ، والباء » يعملان ، وهما مزيدتان . وقال أبو البقاء : « وقيل : هو حال ، وهو بعيد ، لأن « أن » تخلّص الفعل للاستقبال : « والظاهر أن « ما » في قوله : « وَما لَهُمْ » استفهامية ، وهو استفهام معناه التقرير ، أي : كيف لا يعذبون ، وهم متصفون بهذه الحال ؟ » وقيل : « ما » نافية ، فهو إخبار بذلك ، أي : ليس عدم التعذيب ، أي : لا ينتفي عنهم التعذيب مع تلبسهم بهذه الحال . قوله : « وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ » في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها استئنافية ، والهاء تعود على « الْمَسْجِدِ » ، أي : وما كانوا أولياء المسجد . والثاني : أنها نسق على الجملة الحالية قبلها ، وهي : « وَهُمْ يَصُدُّونَ » ، والمعنى : كيف لا يعذبهم اللّه ، وهم متصفون بهذين الوصفين : صدهم عن المسجد الحرام ، وانتفاء كونهم أولياءه ، ويجوز أن يعود الضمير على اللّه تعالى ، أي : لم يكونوا أولياء اللّه . قوله : إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً . أي : ما كان شيء مما يعدونه صلاة وعبادة إلّا هذين الفعلين ، وهما المكاء والتصدية ، أي : إن كان لهم صلاة فلم تكن إلّا هذين ، كقول الشاعر : 2428 - وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه * أداهم سودا ، أو محدرجة سمرا « 2 » فأقام القيود والسياط مقام العطاء . والمكاء : مصدر مكا يمكو ، أي صفر بين أصابعه أو بين كفيه ، قال الأصمعي : « قلت لمنتجع بن نبهان : ما تمكو فريضته ؟ فشبك بين أصابعه ، وجعلها على فيه ، ونفخ فيها » . قلت : يريد قول عنترة :

--> ( 1 ) سورة هود ، آية ( 117 ) . ( 2 ) تقدم .